جلال الدين السيوطي

741

تحفة الأديب في نحاة مغني اللبيب

ولما رجع المعرّيّ لزم بيته ، وسمّى نفسه رهين المحبسين ، يعني حبس نفسه في المنزل ، وحبس بصره بالعمى . وكان قد رحل أولا إلى طرابلس ، وكانت بها خزائن كتب موقوفة ، فأخذ منها ما أخذ من العلم ، واجتاز باللاذقية ، ونزل ديرا كان به راهب له علم بأقاويل الفلاسفة ، فسمع كلامه ، فحصل له بذلك شكوك . والناس مختلفون في أمره ، والأكثرون على إلحاده وكفره . قال ياقوت : كان متهما في دينه يرى رأي البراهمة لا يرى إفساد الصورة ، ولا يأكل لحما ، ولا يؤمن بالرسل ، ولا البعث والنشور . وحكم الذهبيّ بزندقته ، وطوّل ترجمته ، وذكر له فيها قبائح . وقال الباخرزيّ في حقّه : ضرير ما له في أنواع الأدب ضريب ، ومكفوف في قميص الفضل ملفوف ، ومحجوب خصمه الألدّ محجوج ، قد طال في ظلال الإسلام أناه ، ولكن ربّما رشح بالإلحاد إناه ، وعندنا خبر بصره ، والله العالم ببصيرته ، والمطلع على سريرته ، وإنّما تحدّثت الألسن بإساءته لكتابه الذي زعموا أنّه عارض به القرآن ، وعنونه ب « الفصول والغايات » محاذاة بالسور والآيات حتى قال فيه القاضي أبو جعفر محمد بن إسحاق البحّاثي الزوزنيّ قصيدة أولها : كلب عوى بمعرّة النعمان * لما خلي عن ربقة الإيمان أمعرّة النعمان ما أنجبت إذ * أخرجت منك معرّة العميان وجماعة يقولون إنّه مكذوب عليه ومختلق ، وقد صنّف في تبرئته الصاحب كمال الدين بن العديم كتابا سمّاه « دفع التجرّي عن أبي العلاء المعرّيّ » قال فيه : قرأت بخطّ أبي البشر شاكر بن عبد الله بن سليمان المعرّيّ : كان أبو العلاء يرمى من أهل الحسد بالتعطيل ، ويعمل تلامذته وغيرهم على لسانه الأشعار يضمنونها أقاويل الملحدة قصدا لهلاكه ، وإيثارا لإتلاف نفسه ، فقال في ذلك :